محمد نادر عرار
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
نبذة
رجلٌ جمع العائلة، وترك في نفوس أبنائها أثرًا لا يُنسى
من أبناء دمشق، وُلد ونشأ فيها وتلقى تعليمه في مدارسها، ومن بينها ثانوية بهجت البيطار، ثم شقّ طريقه في عالم التجارة والأعمال، وارتبط اسمه بالنشاط التجاري لشركة عرار في دبي.
غير أن ما يميز سيرة السيد محمد نادر إسماعيل عرار، المعروف بأبي طلال، لا يقتصر على مسيرته المهنية، بل يمتد إلى دوره الاجتماعي وحرصه الدائم على صلة الرحم، وجمع شمل الأسرة، وتفقّد أحوال أبنائها، ومدّ يد العون لمن يحتاج منهم إلى المساعدة.
كان له مكتب في منطقة التجهيز بدمشق، تميّز بطابعه الدمشقي الأصيل، وأثاثه الخشبي المطعّم بالصدف، في صورة تستحضر دفء البيوت الدمشقية العريقة وأصالة مجالسها. ولم يكن ذلك المكتب مجرد مكان للعمل، بل كان أيضًا مجلسًا عائليًا يجتمع فيه الأقارب، وتتجدد فيه أواصر المودة والتواصل بين أبناء العائلة.
وكان من عادته أن يدعو أبناء الأسرة إلى لقاءٍ يجمعهم، غالبًا في ثاني أيام عيد الفطر أو الأضحى، لتكون فرحة العيد مناسبة تتجاوز تبادل التهاني إلى التعارف والتواصل، والسؤال عن الغائب، وتفقّد أحوال القريب والبعيد.
ولم تكن هذه اللقاءات مجرد اجتماعات عابرة، بل أدّت دورًا مهمًا في تعريف كثير من شباب العائلة بأقاربهم الذين ربما لم تتح لهم ظروف الحياة فرصة التعرف إليهم من قبل، فالتقت أجيال، وتعارفت وجوه، وتوطدت علاقات كان يمكن أن تباعد بينها الأيام والمسافات.
ولعل الأثر الأعمق لتلك المبادرات لم يكن ظاهرًا في حينه؛ فقد تركت في نفوس بعض الشباب فكرةً أخذت تنمو مع السنين: كيف يمكن الحفاظ على هذا التواصل، وتوسيع دائرته، بحيث لا يقتصر على لقاء سنوي أو مكان واحد، بل يمتد ليجمع أبناء العائلة أينما كانوا؟
ومن رحم تلك اللقاءات، وما غرسته من شعور بالانتماء وروح المسؤولية تجاه الأسرة، وُلد لدى أحد شباب العائلة حلمٌ بإنشاء بيت إلكتروني يجمع أبناءها، ويحفظ أنسابها وذاكرتها، ويتيح لأجيالها أن تتعارف وتتواصل وتتعاون رغم تباعد الأوطان.
وظل ذلك الحلم حاضرًا في الذهن سنوات طويلة، حتى تهيأت الظروف والإمكانات لتحويله إلى واقع، من خلال مشروع الموقع الإلكتروني لعائلة عرار دركل.
وهكذا، فإن تلك الاجتماعات التي حرص أبو طلال على إقامتها لم تكن مجرد تقليد عائلي جميل، بل كانت بذرةً من بذور مشروعٍ أكبر؛ مشروعٍ يستلهم روح اللقاء المباشر، ويسعى إلى أن يحفظها ويطوّر وسائلها بما يناسب الحاضر والمستقبل.
إن ما زرعه أبو طلال من محبة وتواصل بين أبناء العائلة لم ينتهِ بانفضاض تلك المجالس، بل بقي أثره في الذاكرة والوجدان، وألهم جيلًا جديدًا أن يواصل المسيرة بوسائل جديدة، محافظًا على الغاية ذاتها: أن تبقى العائلة متعارفة، متراحمة، متماسكة، يصل حاضرها بماضيها، ويمهّد مستقبلها للأجيال القادمة.
الرثاء
وفاءً لذكرى العم
محمد نادر إسماعيل عرار، أبو طلال، رحمه الله
بعض الرجال إذا رحلوا، غابت وجوههم وبقيت أرواحهم تسكن الأماكن والقلوب. وبعضهم يترك في الحياة أثرًا لا تقوى الأيام على محوه، لأن ما غرسوه في النفوس أعمق من أن يطويه الغياب.
وهكذا كنتَ يا أبا طلال…
مضت الأيام، وتغيّرت الوجوه والأماكن، لكن شيئًا من دفء حضورك ما زال في ذاكرتنا. نفتقد صوتك، ونفتقد مجلسك، ونفتقد تلك الروح التي كانت تجعل للقربى معنى، وللقاء بهجة، وللسؤال عن الأهل قيمة لا تُقاس.
لم نكن ندرك يومها أن بعض اللحظات التي عشناها معك ستصبح يومًا ذكريات عزيزة، نستعيدها بشيء من الحنين، وشيء من الأسى، وكثير من الامتنان.
يا أبا طلال، لقد رحلت قبل أن ترى كيف كبرت بعض البذور التي غرستها فينا، وكيف تحوّل ما كان خاطرًا في النفوس إلى حلم نسعى اليوم لتحقيقه. وكم كنا نتمنى لو كنت بيننا، ترى أن ما دعوت إليه يومًا لم يذهب مع الأيام، وأن في الجيل الذي عرفك من لا يزال يحمل شيئًا من همّك، ويسير على أثر خطاك.
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما جمعه لنفسه، بل ما جمع عليه قلوب الآخرين؛ وليس ما يُقال عنه بعد رحيله، بل ما يبقى حيًّا من خيره في أفعال من عرفوه.
نفتقدك يا أبا طلال، ونفتقد زمنًا جميلًا كنت أحد وجوهه التي لا تُنسى.
رحمك الله رحمة واسعة، وجزاك عن أهلك وأحبابك خير الجزاء، وجعل ما زرعته من مودة وصلة رحم في ميزان حسناتك.
غبتَ عن مجالسنا، لكنك لم تغب عن ذاكرتنا؛
ورحلتَ عن دنيانا، لكن شيئًا منك ما زال يعيش فينا.